نعم ، بعد الدفن المورد هو مورد البراءة من وجوب نبش قبره وإعادة تغسيله ، وذلك للظنّ بعدم رضا الله تعالى بنبش قبر المسلم لإعادة تغسيله ، وذلك لأنّ المالكَ الحقيقي للماء هو الله سبحانه وتعالى وله أن يَقبل بذاك التغسيل في حال الجهل لئلاّ يُنبَشَ القبرُ ، وهذا هو المتوقّع جداً من أرحم الراحمين .
أمّا لو كان المغصوب هو مكانَ التغسيل ومصبّ ماء التغسيل فقد تقول بصحّة التغسيل وذلك بذريعة عدم مقوميّة هذه الأمور للغُسل ، فالمغسّلُ قد أتى بالغسل بالماء والسدر والكافور المباحين وهذا كاف ، والباقي خارجٌ عن المطلوب أو قُلْ خارجٌ عن ماهية الغُسل .
وبتعبير آخر ، قد تقول بأنه لا يُشترَطُ أن يكون مكان التغسيل مباحاً ، وذلك لعدم اشتراط صحّة التغسيل شرعاً بإباحة المكان ، وإنما نفهم حرمة التصرّف بمال الغير من العمومات ، إذن فيجب أن يكون الغُسلُ صحيحاً وذلك لعدم كون هذه الحرمة الفعلية منجّزةً عليه لجهله بالغصبيّة حتى وإن كان يرتكب حراماً فعلاً بالتصرّف في المغصوب ، وذلك لتغاير التغسيلِ بالماء المباح المحبوب في ذاته ، مع كون وجود المُغَسِّل في هذا المكان المغصوب مبغوضاً ، فلو أتت من المُغَسِّل نيّةُ القربة فيجب أن يكون الغُسلُ صحيحاً ، لأنه لم يُشترَط في صحّة الغُسلِ شرعاً أن يكون المكان مباحاً ، نعم الإباحةُ تكليفٌ عامّ في كلّ شيء ومُفادُه حرمة التصرّف بمال الغير بغير إذنه ، لكنه لم يثبت أنه داخلٌ في ماهيّة الغُسلِ ، لا جزءً ولا شرطاً ، والأصلُ عدمُ دخولِه في ماهية الغُسل ، ولذلك ذهب بعض علمائنا إلى عدم اشتراط إباحة مكان الوضوء ، مثل المحقّق الحلّي في المعتبر .
أقول : ما ذُكِرَ وإن كان له وجهٌ ، ولكنْ مع ذلك الأحوط وجوباً أن يكون المكانُ أيضاً مباحاً ، وذلك للعلم بفعلية قُبْح وبفعلية حرمة التغسيل في المكان المغصوب رغم جهل المغسّل ، فالقضية في مرحلة الملاك وفي مرحلة الجعل واضحة . وبتوضيح أكثر ، يَبعُدُ أن يحبّ اللهُ تعالى هذا التغسيلَ الذي يؤدّي إلى أذية الجيران وأن يَرضى به حتى وإن كان المغسّلُ جاهلاً بأنّ الماء يصل إلى أرض الغير ويؤذيه ، وحينما يكون الفعلُ مبغوضاً ذاتاً يَبْعُدُ احتمالُ أن يَرضى اللهُ به ويصحّحَه .
على أنك تَعلَمُ أنّ في تغسيل الميت تصرّفاً زائداً عن أصل كونه في المكان المغصوب ، فالتغسيلُ إذن مقدّمةٌ توليديّةٌ للحرام الذي هو التصرّف الزائد في المكان المغصوب ، لا بل حتى لو فرضنا أنّ الماء المباح في أرض مغصوبة وكنت أنت والميت محبوسَين في هذه الأرض
‹