الطهارة
صفحة ٢٢٩ من ٢٠٢٦

والشحوم والجلود من سوق المسلمين ، بانين على أساس أنّ الأصل في الخبير وفي محتمل الخبرة هو صحّة تذكيتهم وتطهيرهم للأنعام التي يذبحونها ، وبنوا على الصحة في عقودهم وإيقاعاتهم ، وفي المسألة رواياتٌ مستفيضة ، منها ما ذكرناه قبل قليل من روايات سوق المسلمين ، ولهذا لا محلَّ لاحتمال القول بأصالة عدم التذكية . إذن عمدةُ دليلها الأدلة الشرعية وسيرةُ العقلاء كافّة من جميع الملل وفي جميع العصور ، من أرباب جميع الأديان من المسلمين وغيرهم ، والشارعُ المقدّس لم يردع عن هذه الطريقة بل أمضاها ، كما هو مفاد الأخبار في أبواب متعددة . بل يمكن أن يقال : لو لم يكن هذا الأصل معتبراً لا يمكن أن يقوم للمسلمين نظام ، بل يُوجب عدمُ اعتبار هذه القاعدة اختلالَ النظام ، ذلك لأنّ هذه القاعدة جاريةٌ في أغلب أبواب الفقه من العبادات والمعاملات والعقود والإيقاعات ، ولذلك لا يبقى محل للإستدلال على اعتبارها بالإجماع ، لأنه من المظنون أن يكون مَدرك المجمعين هو الذي ذكرنا ، فليس من الإجماع المصطلح الأصولي الذي يكون اعتباره من جهة كشفه عن رأي المعصومﷺ .

ولوضوح الأمر يكفي أن نذكر روايةً واحدةً وهي :

مصحّحة إسماعيل بن عيسى السابقة قال : سألت أبا الحسن (الرضا)ﷺ عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل ، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف ؟ قال : « عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك ، وإذا رأيتم (المسلمين ـ ظ) يصلّون فيه فلا تسألوا عنه » .

هذه الرواية ـ مع غيرها من الروايات السالفة الذكر والقرائن ـ تشير إلى أنّ السبب في جعل أصالة الصحّة هو كاشفية استعمال المسلمين لهذه الجلود في صلاتهم عن كونها مذكّاة ، ممّا يعني أنّ قاعدة أصالة الصحّة في عمل المسلم هي أمارة لا أصل ، فتُقَدّم على الإستصحاب ـ بالإجماع ـ لأقوائية كاشفيتها من الإستصحاب .

٭ ثم إنّ المراد من الصحة في هذه القاعدة هي الصحة تعبّداً أي تعبّدنا الله بالبناء على أساس صحّة العمل ، فالعملُ إذن صحيحٌ شرعاً ـ ولو كان العملُ باطلاً واقعاً ـ وليس المراد الصحةَ باعتقاد الفاعل فقط ، أي أنّ المناط أن يَبنيَ الحاملُ (وهو الذي يَحمل عملَ الغير على الصحة) على صحّة العمل شرعاً ، وذلك لأنّ الأدلّة الشرعية تقتضي ذلك ، وإلا لو كانت الصحة هي باعتقاد الفاعل فقط لما كان للحمل على الصحة أثر ، لأن اعتقاد الصحة عند الفاعل فقط ـ

٢٢٩