مع عدم إثبات الصحة الشرعية عند الحامل ـ لا يوجب لسائر الناس ترتيب آثار الصحة ، مع أن الناس يرتبون آثار الصحة . مثلاً : لو علموا أنّ رجلاً طلّق زوجتَه أو باع دارَه أو اشترى داراً ونحو ذلك فإنهم يحملون عملَه على الصحة الشرعية ، ويرتّبون على ذلك الفعل آثارَ الصحة ، سواء أكان ذلك الفعل من العبادات أو المعاملات ، من العقود أو الإيقاعات . والحاصل : أنه كما أنّ في قاعدة الفراغ إذا شك الشخص في صحة عمله فإنه يحمل عمله على الصحة الشرعية للأدلة الشرعية الثابتة في ذلك كذلك الأمر في الفعل الصادر عن الغير ، والظاهر أنّ الفقهاء أجمعوا على ذلك ، بل النظام الإنساني يقتضي الحملَ على الصحة الشرعية .
٭ ثم إنه يشترط في صحة جريان أصالة الصحّة ـ عقلائياً ـ أن يكون الفاعل عالماً بكيفية الفعل وشرائطه ـ ككيفية تذكية الأنعام وكيفية التطهير ـ ففي هذه الحالة يُبنَى شرعاً على توجّه العامل أثناء عمله وعدم غفلته ، بل لو احتمل العقلاءُ معرفةَ العامل بكيفية العمل واحتملوا أيضاً توجّهه إلى العمل الصحيح ـ أي لم يعلموا بغفلته حين العمل ـ فإنهم يبنون على صحّة عمله كتذكية الحيوان وطهارته ، وذلك لأصالة أن يكون الإنسان عالماً خبيراً بما يعمله وبما يُقْدِمُ عليه ، ولأصالة تنبُّهه والتفاته لأجزاء العمل وشرائطه وموانعه ، ولولا هذا البناء لاختلّ نظامُ الناس ولاختلّت أسواقُهم . ولذلك لا كلام في عدم إمكان البناء على صحّة عمل الغير فيما إذا علمنا بجهالة العامل بكيفية العمل وشرائطه أو علمنا بغفلته عن شرائط العمل حين العمل أو إذا لم نحرز قيامه بأصل العمل ، فلو علمنا بأنّ شخصاً قال صيغة الطلاق أمامنا لما أمكن لنا أن نحكم بطلاق زوجته حتى نعلم قصده ذلك ، لأنّ الطلاق من الأمور القصدية ، فإذا علمنا بقصده الطلاق ـ ولو من ظاهر حاله ـ وشككنا بتمامية سائر شرائط الطلاق ـ ككون الزوجة في طهرٍ لم يواقعها فيه ـ حكمنا بصحّة طلاقه وبنينا على تحصيله شرائطَ صحّة الطلاق ، وأما مع عدم علمنا بقصده للطلاق ـ ولو من ظاهر حاله ـ يكون شكّنا في أصل وقوع الفعل لا في صحّته ، وبينهما فرقٌ ، وأصالةُ الصحّة لا تثبت أصل وقوع الفعل ، وإنما دورُها إثباتُ صحّة فعل الغير بعد علمنا بأصل وقوع الفعل .
٭ ثم إنّه لا شكّ في أنّ أصالة الصحّة تجري في جميع أبواب العقود والإيقاعات ، أو قُلْ إنه لا شكّ في ورود قاعدة الصحّة على الإستصحاب وعلى أصالة الفساد ، أي أنّ أصالة الصحة تُلغي موضوعَ استصحاب عدم النقل والإنتقال وموضوعَ استصحاب عدم التذكية واستصحابِ عدم حصول العقد وعدم حصول الطلاق ونحو ذلك . وبتعبير آخر : لا شكّ في
٢٣٠
‹