الطهارة
صفحة ٢٧ من ٢٠٢٦

المسجد الحرام التي يمسحونها بما ذكرنا ، فراجع الروايات ، وما ذكروه لا يستحقّ الذكر لوضوح أنّ ما ذكروه مردود بوجود آثار النجاسة بنظر العرف ، أي القذَرُ بنظر العرف موجود ، وكلامنا هنا مع عدم وجود آثار للنجاسة عرفاً . ولعلّ أحسن الروايات دلالةً على قولهم ما رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل بن درّاج عن المعلّى بن خنيس (ضعّفه النجاشي جداً ووثّقه الشيخ) قال : سألت أبا عبد اللهﷺ عن الخنزير يخرج من الماء فيمرّ على الطريق فيسيل منه الماءُ ، أمُرّ عليه حافياً ؟ قال : « أليس وراءَه شيءٌ جافّ ؟ » قلت : بلى ، قال : « لا بأس ، إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضاً »⁽²³⁾ ، ويرد على استدلالهم بهذه الرواية ـ إضافةً إلى النظر في وثاقة المعلّى ـ أنّ ما يسيل من الخنزير هو عين النجاسة ، أو على الأقلّ هو أثرٌ واضح للنجاسة ، وكلامُنا فيما لو أزلنا عينَ النجاسة ، على أنّ المراد من هذه الرواية هو ما إذا مشى على هذا الماء النجس ثم مشى على التراب الجافّ الطاهر من بعده فإنه تطهر قدماه .

وبعد هذه المقدّمة نقول : إنّ موضوعَ الأحكام ـ كحلّية الأكل وحرمته وصحّة الصلاة ـ هو النظيف والقَذر عرفاً ـ لا أكثر ـ ، وإنّ هذا المقدار من النظافة كاف في الطهارة الشرعية ، وذلك لقوله تعالى ﴿وطعامُ الذين أوتوا الكتابَ حلٌّ لكم ، وطعامُكمّ حلٌّ لهم﴾⁽²⁴⁾ ، وهي تفيدنا طهارة أيديهم وأوانيهم ونفس طعامهم ـ بدليل جواز الأكل من عندهم ـ مع أنهم يزاولون النجاسات ـ كاللحم الغير مذكّى والخنزير وغيرهما ـ بأيديهم وفي آنيتهم ، وإنما يغسّلون أيديهم وأوانيهم وطعامَهم بالشكل العرفي بحيث يزيلون القذارات العرفية عنها فقط ، ومع ذلك اكتفى الشارعُ المقدّس بذلك ، وأجاز لنا الأكلَ من طعامهم . والقولُ بأنّا نبني على الطهارة مع عدم علمنا بالنجاسة جهلٌ في جهل ، إذ أننا نطهّر أنفسنا كلّ يوم مرّات مِمّا نلامسه من نجاسات كما لو خرج منّا الدمُ لجرح ونحوه ، وكما في تطهير ثيابنا من نجاساتنا ونجاسات أطفالنا ... فكيف نتصوّر أنهم طاهرون وأنّ آنيتهم طاهرة ؟! فالصحيح أنّ الشارع المقدّس اكتفى بالنظافة العرفية في جواز الأكل من عندهم ، وبالملازمة تجوز الصلاة في الثوب النظيف عرفاً ، إذ قد تأكل من عندهم وتقوم وتصلّي ، أو قل الطهارةُ واحدةٌ للأكل والصلاة .

(٢٣) ئل ٢ ب ٣٢ من أبواب النجاسات ح ٣ ص ١٠٤٧ .

(٢٤) المائدة ـ ٥ .

٢٧