قلتُ : هذا غير صحيح ، المسألةُ واضحةٌ جداً وليست تعبّدية ، أو قُلْ النجاسةُ أمرٌ واقعي خارجي ، ونحن نؤمن بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلقات الأحكام ، وهذا أمرٌ واضح لمن يراجع كتاب ربّنا من قبيل ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾<sup>(٢٦٧)</sup> وقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾<sup>(٢٦٨)</sup> وقال (عز وجل) ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾<sup>(٢٦٩)</sup> . إذن يجب أن يحرم شرب الدم لأنه من الخبائث والمنكر .. ويجب أن تشترط صحة الصلاة بعدم كونها في الدم لأنّ قذارة الدم الكثير مخالفةٌ لطبيعة الصلاة التي تقتضي أن تكون الصلاة بالثياب النظيفة المناسبة للعبادة ـ إلّا ما لا يخالف طبيعتها ممّا عفا الله عنه فيها وسيأتي ـ .
**وفائدةُ قولي** هذا هو أنّ القصّابين اليومَ وأمس ، وخاصةً العوام منهم ، وبالأخصّ أُولئك الذي يعيشون في الصحاري حيث يندر وجودُ الماء وتكون قيمة الماء عندهم غالية جداً ، لا يطهّرون السكّين جيداً ولا المذبح ولا أيديهم ، ورغم ذلك لم ينبّهنا أئمّتُنا (عليهم السلام) على ذلك رغم شدّة الإبتلاء بهذا الأمر ، وترى المسلمين يأكلون من تحت أيدي القصّابين بلا أي ارتياب . واليوم يضعون اللحم في ماكينة الفَرْم ويفرُمون اللحم ويبيعونه للمسلمين ويأكل كل المسلمين منهم ، فلا ينبغي الإحتياط كثيراً والوسوسة في هذا المجال .
ومع كلّ ما ذكرناه سترانا دائماً نقول بنجاسة الدم ، وسنتابع في كلّ أبحاثنا على أساس نجاسة الدم ، وذلك لسببين : إنّ ما ذكرناه مخالفٌ لما هو متسالَم عليه من نجاسة الدم ، ولا يتجرأ فقيهٌ في العالَم على مخالفة المتسالم عليه بين الفقهاء ، إضافة إلى احتمال أن تكون المسألة من المسائل التي لا نعرف سرَّها ، أو تكون إمتحانية ـ بمعنى أنها لم تُشرَّع لملاك في ذاتها ، وإنما شرّعها اللهُ تعالى لامتحان العباد ـ وقد يتّضح ذلك في مثال الجنين الذي اكتمل ونبَت شعرُه أو وبرُه وقد ذكّوا أُمَّه ثم شقّوا بطنها فوجوده ميّتاً فإنه يُعتبر مذكّى بالإجماع ، مع أنه لم يخرج منه شيء
(٢٦٧) النحل ـ ٩٠ .
(٢٦٨) الأعراف ـ ٣٣ .
(٢٦٩) الأعراف ـ ١٥٧ .
٢٧٠
‹