قلتُ : هذا صحيح ، ولكن الضرورات لا تطهّر الدمَ واللحمَ ، وإنما ترفع منجّزيّة الحكم الإلزامي فقط . وعلى قول القائل بلزوم خروج مقدار الدم المعتاد ينبغي القول بأنه لا يَحِلُّ الأكلُ في هذه الحالة ما لم يكن مخمصة !!
ولذلك ينبغي القول بطهارة دم الدابّة الذي بقي في عنق الذبيحة ولم يخرج أصلاً ولو لردّ النفس ونحو ذلك من الحالات الشبيهة بحالة التردّي في البئر والرأسُ من فوق .
واعلم أنّه يُستبعَدُ فرضُ رجوع الدم من الخارج إلى الوريدين لعدم ملاحظة هذا الأمر عادةً من قِبَل القصّابين ، إضافةً إلى أنّ النفَس لا دخل له بمجرى الدم ـ أي الوريدين ـ ليجذبه إلى داخل الوريدين ، فلا شكّ إذن أنّ مرادهم هو أنّ شهيق الذبيحة هو الذي قد يجذب الدم الخارجي إلى مجرى الهواء .
ولا بأس أن نذكر ما علّقه السيد محسن الحكيم في مستمسكه على قول المصنّف **(إذا رجع دم المذبح إلى الجوف لردَ النفس أو لكون رأس الذبيحة في علوٍ كان نجساً)** لما فيه من فوائد فنقول قال (رحمه الله) : "كما نصّ عليه جماعةٌ منهم المحقّق والشهيد الثانيان والمقداد والصيْمَري<sup>(٢٧١)</sup> على ما حُكيَ عنهم . أما في صورة الرجوع من الخارج إلى الداخل بالنفَس ونحوه ـ كما هو ظاهر المفروض في المتن ـ فلأنّ الدم الخارج نجس قطعاً ، فإذا رجع إلى الجوف بقي على نجاسته ، بل ينجس به كل ما يلاقيه من دم وغيره . وحينئذ فإن عُلم المتخلّفُ بعينه ولم تُعلم ملاقاتُه لما
(٢٧١) هو الفقيه الجليل الشيخ مفلح بن الحسن بن رشيد بن صلاح الصيْمَري البحراني من أعلام القرن السابع صاحب كتاب (تلخيص الخلاف وخلاصة الإختلاف) . قال في الأعيان : الصيْمَري نسبة إلى صَيْمَرة . وفي معجم البلدان "هي كلمة أعجمية وهي في موضعين : أحدهما بالبصرة على فم نهر معقل ، وفيها عدة قرى تسمى بهذا الإسم ، وبلد بين ديار الجبل وديار خوزستان هي مدينة بمهرجان قذف ، وهي للقاصد من همدان إلى بغداد عن يساره" . وفي أنساب السمعاني "الصيْمَري ، تطلق هذه النسبة على أهل موضعين : أحدهما منسوب إلى نهر من أنهار البصرة يقال له الصيمري عليه عدة قرى ، وأما الصيمرة فبلدة بين ديار الجبل وخوزستان ، وسألت بعضهم عن هذا النسب فقال : صيمرة وكوه دشت قريتان بخوزستان" . وقال الشيخ سليمان البحراني "انّ المترجَم له أصلُه من صيمر البصرة ، وانتقل إلى البحرين وسكن قرية سنم آباد" . وقال الشيخ البلادي البحراني في أنوار البدرين "أخبرني جملة من الثقاة أنه رحمه الله سكن في قرية سلماباد في محلة منها يقال لها صيمر" ، فلعل هذا الشيخ قدس سره منها ، الّا أن علماءنا المتصدين لذكر العلماء يذكرون أنه في صيمر البصرة ثم انتقل إلى البحرين . وقال في الروضات "وصيْمَر بلد بين خوزستان الأهواز وبلاد الجبل التي هي الواقعة بين آذربيجان وعراق العرب وخوزستان وفارس وبلاد الديلم ، وقاعدتها دار السلطنة إصفهان" .
٢٧٢
‹