لكن الجميع لا يخلو من اِشكال ، أمّا الإجماعات ، فهي معارَضة بما عن الذكرى ، فإنه ـ بعدما حكى القول بالنجاسة عن ابن حمزة والمحقق ، وحَكَى توقف العلامة في النهاية ـ قال﵀ : "ولم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة" وفي مفتاح الكرامة فإنه ـ بعدما حكى عن المختلف نسبة النجاسة إلى أكثر علمائنا كالمفيد والشيخ والسيد وأبي الصلاح وسلار وابن إدريس ـ قال﵀ : "ولعله ظفر به في كتبهم ولم نظفر به" ـ وهذا إشارة واضحة إلى التشكيك في صحّة نقل كتاب المختلف . وفي مستند الشيعة للنراقي قال : "الذي يظهر لي أن المشهور بين الطبقة الثالثة ـ يعني طبقة متأخري المتأخرين ـ الطهارة ، وبين الثانية ـ أي المتأخرين ـ النجاسة ، وأما الأُولى ـ يعني القدماء ـ فالمصرّح منهم بالنجاسة إما قليل أو معدوم" (إنتهى) . وسلاّر هو الشيخ الفقيه أبو يعلى سلاّر (أو سالار) بن عبد العزيز الديلمي .
ـ وقال السيد الخوئي في التنقيح : "العصير على ثلاثة أقسام : العنبي والتمري والزبيبي ، أما العصير العنبي ففي نجاسته بالغليان قبل أن يذهب ثلثاه قولان معروفان في الأعصار المتأخرة : أحدهما أنه ملحق بالخمر من حيث نجاسته وحرمته ، وذهاب الثلثين مطهر ومحلل له ، وثانيهما أنه ملحق بالخمر من حيث حرمته فحسب ، فذهابُ ثلثيه محلّلٌ فقط" (إنتهى) .
أقول : بعد كلّ هذا الخلاف الذي رأيتَه ـ خاصّةً بين القدماء الذين يظهر أنّ المشهور بينهم كان القول بالطهارة ـ كيف تؤمن بوجود إجماع أو حتى شهرة على النجاسة ؟! حتى أنّ صاحبي الوافي للفيض الكاشاني (١٠٠٧ـ١٠٩١ هـ) والوسائل للحرّ العاملي (١٠٣٣ـ١١٠٤ هـ) ولوضوح الأمر لم يذكرا روايات العصير العنبي في باب النجاسات ، هذا أوّلاً ،
ثانياً : أمّا استدلالهم بكونه مسكراً ، وكلّ مسكر نجس ، فقد ذكرنا قبل قليل أنّ الخمر وكلّ مسكر طاهر ، على أنهم ذكروا التشكيك جداً في إسكاره ، نعم هو حرام ـ بلا شكّ ـ إذا غلى ولم يذهب ثلثاه .
قلت : فرَجُلٌ من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ، ولا يستحله على النصف ، يُخبِرنا أن عنده بُخْتَجاً على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقيَ ثلثُه ، يُشرب منه ؟ قال : « نعم » ولا نشكّ أنّ جواز الأخذ بقوله منشؤه خبر ذي اليد وإن كان عامّيّاً ، أمّا ذاك الذي نهى الإمامﷺ عن شربه ، وبالتالي لم يصدّقه، فالظاهر أنّ شربه له قبل ذهاب الثلثين أمارة أنه لا يهتمّ بدين الله ، فلا يبعد أنه يكذب .
٣٢٧
‹