أقول : (١) إنّ استفاضة تلك الروايات التسعة السالفة الذكر مع جودة سندها يستوجب التصرف في هتين الروايتين بالحمل على استحباب الإعادة ، وهذا جمع عرفي لا بأس به .
(٢) مضافاً إلى إباء تلك النصوص المستفيضة ـ التي تفيد نفي الإعادة والقضاء ـ عن التفصيل ـ وذلك بوجوب الإعادة في الوقت وعدم القضاء بعد فوات الوقت ـ !! فإنها مطلقة بوضوح . وبتعبير آخر : لا يمكن عرفاً الجمع بين الطائفة المستفيضة والطائفة الشاذّة بهكذا جمع تبرّعي الذي هو وجوب الإعادة ضمن الوقت لا خارجه ، إذ أنه لا دليل عليه ولا إشارة ، بل هو مخالف لكلتا الطائفتين .
(٣) على أنّ الأئمّة(ع) في مقام البيان والعمل ، ولم يظهر منهم أيّ إشارة إلى التفصيل المذكور .
(٤) ولذلك أعرض الأصحاب عن الروايتين المعارضتين الشاذّتين .
(٥) إضافةً إلى تأييد ذلك ـ أي عدم وجوب الإعادة ولا القضاء ـ بحديث "لا تُعاد" بناءً على أنّ المراد من (الطهور) في الحديث هو الطهارةُ المعنوية ، فعَلَى هذا لا تُعاد الصلاةُ فيما لو صلّى الشخص بنجاسة جاهلاً بها حتى فرغ من الصلاة .
(٦) إضافةً إلى تعليل عدم وجوب إعادة الصلاة في صحيحة زرارة السابقة إلى الإستصحاب ـ لا إلى فوات وقت الفريضة ـ وهو دليل على عدم وجوب الإعادة في الوقت أيضاً ، ولو كان التفصيل بين وجوب الإعادة وعدم وجوب القضاء هو الصحيح واقعاً لاستدلّ الإمام على عدم وجوب القضاء بخروج وقت الفريضة .
وعليه فالعمل باطلاق تلك الروايات المستفيضة والتي تفيد نفي الإعادة متعيّن .
وأخيراً ، بعدما عرَفتَ وقرأتَ كلَّ ما أمليناه عليك يجب أن نذكر عدّةَ مسائل :
الأُولى : المظنونُ قوياً أنه قد سقط من رواية وهب بن عبد ربّه كلمة (لا) وذلك بقرينة الكثير من الروايات التي صرّحتْ بذلك ، على أنّ سياق الجملة يقتضي ذلك بوضوح ، ودليلُ ذلك عدمُ صحّة تعليق وجوب الإعادة على جهله بالنجاسة !! أي إذا كان جاهلاً أعاد صلاته ، ومفهومُها أنه إذا كان عالماً بالنجاسة ورغم ذلك صلّى فلا يعيد صلاته !! وهذا مخالف لإجماع الأُمّة ، وذلك لأنّ العالم أَولى بالإعادة من الجاهل ، وعليه فيكون أصل الصحيحة السابقة هكذا : ".. عن وهب بن عبد ربه عن أبي عبد الله(ع) في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم به صاحبه فيصلي فيه ثم يعلم بعد ذلك ؟ قال : « لا يعيد إذا لم يكن علم » .
٤٧٥
‹