وهذا الإحتمال وإن كان أمراً معقولاً في نفسه إلا أنّ الظاهر من الأخبار الآمرة بالغسل مرتين أن للغسلتين دخالةً في التطهير ، لا أن إحداهما من باب الإزالة كما ادعى، ومن الجائز أن تكون الغسلة الأولى موجبة لحصول مرتبة ضعيفة من الطهارة لتشتد بالثانية ولا يكون الأمر بها لمجرد الإزالة حتى يكتفى بمطلقها" . ثم قالﷺ إنه في غير الثوب والبدن يكفي المرّة الواحدة جموداً على النصوص ، بعد احتمال وجود خصوصية في الثوب والبدن . (إنتهى باختصار) .
أقول : ذكرنا دليلَنا على هذا الأمر ـ بتفصيل وتطويل ـ من الروايات وغيرها في أوّل هذا الكتاب ، ولن نعيد كلّ ما ذكرناه هناك رغم الفائدة الكبيرة فيه ، وذَكَرْنا أنّ ابن أبي عقيل والسيد المرتضى والفيض الكاشاني يقولون بكفاية زوال عين النجاسة والقذارة ، وإنّ الأمر بالتعفير في ولوغ الكلب في الإناء ما هو إلّا إرشاداً إلى عدم حصول صغرى زوال النجاسة . وهذه بعض أدلّتنا على ما نقول :
١ ـ الدليل القرآني : قال الله تعالى﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيباتُ ، وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ﴾(٧٣٠) وهذا صريح في جواز الأكل من طعامهم ـ طبعاً ما عدا ذبائحهم لأنّ الذبائح بحاجة إلى تذكية ـ مع أنهم لا يهتمون إلّا بإزالة آثار النجاسات بشكل فطري.
بتعبير آخر : إنك تستفيد من قوله تعالى﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ أنّ أهل الكتاب مع أنهم يساورون النجاسات كالمسلمين ـ أقصد أنهم يُجرَحون ويَخرُجُ منهم الدمُ ويُحدِثون بالأخبثين بل ويأكلون المَيتة وو ـ ومع ذلك أجازَ لنا اللهُ تعالى الأكلَ من طعامهم ، وما ذلك إلّا لأنهم يزيلون النجاسات عن أوانيهم ، مع أنهم يزيلونها بشكل عرفي .
٢ ـ الدليل العقلي : نحن ندّعي أنّ الغرض من التطهير هو زوال النجاسة فقط لا غير ، وأنه أمر وجداني واضح ، وأنّ الشارع المقدّس لم يخترع معنى آخر للتطهير ، وعلى الأقلّ لم يثبت عندنا وجود معنى آخر للتطهير غير المعنى اللغوي ، فتحمل هذه الكلمة على المعنى اللغوي لا محالة .
٣ ـ الإجماع بين القدماء وسيرة المتشرّعة القدماء ، وهذان يظهران من خلال إفتاء ابن أبي عقيل بكفاية زوال النجاسة في الحكم بالطهارة ، ومن خلال ادّعاء السيد المرتضى الإجماع
(٧٣٠) سورة المائدة ـ ٥ .
٥٧٣
‹