أقول : لا تثبت شرعاً كلمة (مرّتين) ، أعني أنّ أدلّة حجيّة خبر الثقة لا تشمل هكذا كلمة مشكوكة بل مظنونة الإضافة جداً ، وذلك لإجماع التهذيبين ومن نقل عنهما ، ومحلّين من (الخلاف) على عدم وجود (مرّتين) ، وإنما اقتصر ذكرُ (مرّتين) في الخلاف فقط وفي موضع واحد منه فقط ، ممّا يجعلنا نطمئن أنها كُتبَتْ سهواً . ويكفينا أنّ هكذا حالة لا تكون موضوعاً للحجيّة ، بل حتى مع فرض الشك في شمول الحجيّة لهكذا حالة الأصلُ عدمُ الحجيّة . ولكننا مع ذلك نحتاط استحباباً لادّعاء الإنتصار والخلاف وغيرهما الإجماعَ ـ على وجوب التثليث ، فقد أفتى الصدوق في الفقيه والشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي بالتثليث .
المهم هو أنه لا شكّ في لزوم تعفير الإناء المتنجّس بولوغ الكلب بالتراب على الأحوط وجوباً ، ثم غَسْله ، سواءً بماء المطر أو الماء القليل .. المهمّ أن تزول النجاسة . فمسألةُ تعفيره بالتراب مسألةٌ توصّليه محضة ، أي غايةُ التعفير بالتراب هو إزالة الجراثيم والقذارة من الإناء ، فإنّ الأمر بتعفيره هو لإزالة القذارة حتماً ، وبتعبير آخر : إنّ الأمرَ بتعفيره بالتراب إرشادٌ إلى عدم زوال القذارة والجراثيم إلّا بتعفيره بالتراب .
فإن قلتَ : ولكنْ روَى في التهذيبين عن الحسين بن سعيد عن حمّاد (بن عيسى) عن حريز (بن عبد الله ط : ق) عن محمد بن مسلم (ط ٤ : قر ق ظم)عن أبي عبد اللهﷺ قال : سألته عن الكلب يشرب من الإناء ؟ قال : « اغسل الإناء » صحيحة السند ، ولم يَذكرﷺ التعفيرَ بالتراب ! ومقتضى الجمع سيكون استحباب الغسل بالتراب ، ولكن بما أنه لا معنى للإستحباب في التطهير ، فلا بدّ من حمله على الإرشاد إلى أنّ الغسل بالتراب هو الأحسن والأفضل .
قلتُ : كلامُكم صحيح علميّاً ، والظاهر أنّ رواية ابن مسلم كانت للعمل ، فيجب على هذا حملُ التعفير بالتراب على الإستحباب ، ولكن ـ مع ذلك ـ يصعب على الفقيه أن يقول بمقالتكم ، خاصّةً وأنّ المظنون قويّاً ـ من خلال التحاليل الطبية الحديثة ـ أنّ جراثيم لُعاب الكلب لم تكن تُقتَلُ ـ في العصور السابقة وقبل اكتشاف المعقّمات الحديثة ـ إلّا بتعفير الإناء بالتراب ، وبالأخص أنّ جراثيم لُعاب الكلب خطيرةٌ جداً على الإنسان ، لذلك فنحن نحتاط وجوباً بالغَسل بالتراب الرطب حتى في زماننا هذا ، وذلك لحصول الشكّ في زوال الجراثيم والنجاسة بالمعقّمات الحديثة ، إلّا إذا حصل عندنا علَمٌ بقيام بعضِ المعقّمات مقام التراب .
٥٨١
‹