الطهارة
صفحة ٦١٧ من ٢٠٢٦

ـ "لقد تغيَّرَ الموضوعُ ـ أي البول ـ بالتبخّر ، فلم يَعُدْ إسمُه (بَول) وإنما صار إسمه (بخار البَول) فلا يصح الإستصحاب وذلك لتغاير الإسمين والموضوعين" .

أقولُ : ما ذكروه هو كلام مضحك فعْلاً ، فأنت تعرف ماءَ الوَرْد (وهو الگُلاب بالفارسية) وماء الزهر (وهو عَرَق بَهار نارِنْج بالفارسية) ونحوهما التي تُعمل من تقطير الورد أو الزهر وغيرهما .. وهذا يدلّنا بوضوح على أنّ بعض المواد المتبخّرة بالغليان تتصاعد مع البخار ، وعليه فيجب أن يُشَمّ هذا البخار بعد تحوّله إلى مائع ثانية أو يُذاق أو يُنظر إلى لونه فإن كان فيه بعضُ آثار القذارة ـ من لون أو طعم أو رائحة ـ حُكمَ على المائع المقطَّر بالنجاسة ، وإلّا فلا ، لكنّي أوجبُ الفحصَ لعلْم كلّ الناس بتصاعد بعض أجزاء المائع المتبخّر .

ونحن حينما نقول بطهارة الإنسان رغم أنه من المني فهو لتغيّر أصل الماهيّة والحقيقة ، لكن فيما نحن فيه ليس الأمر هكذا أصلاً .

وحتى لو أردت أن تجريَ الأُصولَ العملية فالظنّ القويّ هو جريان الإستصحاب الموضوعي فيما نحن فيه ، لأننا نشكّ : هل ذهبت بالتبخير كلّ القذارات ؟ أم بقي منها شيء ؟ رغم تغيّر الإسمين ؟ فالحقيقتان لا تزالان باقيتين تماماً ، إلّا في تصاعد بعض المواد المتبخرة دون بعض . ولا ينبغي النظر إلى الإسم فقط ، فالبخار هو عين المادّة المتبخّرة ، إلّا أنّ الذرّات تفرّقت لشدّة الحرارة فلم يعد يوجد برودة كافية لتماسكها .

وعلى أيّ حال فلا ينبغي إجراءُ الأُصول العملية في البخار أصلاً . ولعلّ ما ذكرناه هو السبب في قول العلّامة الحلّي في المنتهى بالنجاسة .

نعم لا شكّ في طهارة بخار الماء المتنجّس القليل المتنجّس النجاسة للإرتكاز المتشرعي والعقلائي على ذلك الذي منشؤه الإطمئنان بزوال بعض المواد القذرة من المادّة المتبخّرة ، فمع قلّة القذارة والنجاسة في الماء والتبخّر ـ كما يفعلون في بعض البلاد لتصفية المجاري ـ يحصل اطمئنان بعدم نجاسة هذا الماء المتنجّس المتبخّر .

فإن قلتَ : لكنك آمنت قبل قليل ـ في الثامن من فروع العلّامة المجلسي ـ بطهارة الماء النجس الذي تحوّل في الحيوان المأكول اللحم إلى بول ! والغذاءِ النجس رَوثاً أو لَبَناً لمأكول اللحم !

قلتُ : من طَبع الحيوانات أن تأكل كلّ ما تراه مناسباً لها ، طاهراً كان أم نجساً ، ورغم ذلك حكَمَ الشارعُ المقدّس بطهارة بول وروث مأكول اللحم ، وما ذلك إلّا لتحوله في جسم الحيوان إلى ماهيّة طاهرة شرعاً ، مغايرة للنجس المأكول ، وهذا أمر محتمل علميّاً ، بخلاف بخار البول

٦١٧