ماء شَرِبَ منه باز أو صقر أو عقاب ؟ فقال : « كلّ شيء من الطير يُتوضّأ ممّا يَشرب منه ، إلّا أن ترى في منقاره دماً ، فإن رأيت في منقاره دماً فلا تتوضّأ منه ولا تشرب »(٤٦) موثّقة السند . تقريب الإستدلال هو بالقول بأنّ ذهاب النجاسة يكفي في عدم التنجيس ، أو قُلْ إنّ المتنجّس لا ينجّس ، أمّا قول بعضهم "إنّ زوال النجاسة عن مناقير الطيور يوجب طهارتها تعبّداً" فهذا من المضحكات التي لا يجاب عليها ، وتفسير هذه الموثّقة هو أنّ زوال النجاسة عرفاً يكفي في عدم سريان النجاسة إلى الأجسام الأُخرى لأنّ النجاسةَ غيرُ موجودة من الأصل .
٣ ـ وكذا الأمر فيما لو زالت النجاسة عن البهائم والسباع كالهرّة المعلوم أنها تتنجّس بشكل دائم بأكلها للمَيتة ، وتكون متلوّثة عادةً بدم الولادة ، ومع ذلك لم ينبّهنا أئمّتُنا عليهم السلام على نجاستها وعلى لزوم اجتناب سؤرها ولو من باب جريان استصحاب النجاسة ، لا ، بل قالوا لنا ـ في روايات مستفيضة(٤٧) ـ بطهارة سؤر الهرّة التي تأكل المَيتة بل قالوا بعدم كراهيته ، رغم عدم علمنا ـ بل رغم استيعادنا ـ لطروء الطهارة عليها .
فإن قلتَ : قد يكون زوالُ النجاسة عن البهائم من المطهِّرات تعبّداً فقط ، لا واقعاً ، فقد ذهب إلى الطهارة هنا كلُّ أو جلّ علمائنا قديماً وحديثاً ،
قلتُ : إمّا أن يكون زوالُ النجاسة عن الحيوانات مطهِّراً لها حقيقةً وواقعاً ـ وهذا ما نؤيّده ونقولُ به ـ وإمّا أنّ موضع النجاسة يبقى متنجّساً حكماً ـ لعدم العلم بورود المطهّر عليه والجريان استصحاب حكم النجاسة . ـ إلّا أنه لا ينجّسُ الماءَ القليل ، وعلى كلّ تقدير يبقى الماء القليل طاهراً . والحقيقة أنّ قضية سريان النجاسة أمر توصّلي محض ، وأنّ معنى هذه الروايات أنّ زوال النجاسة كافٍ في عدم سريان النجاسة إلى مكان آخر وذلك من باب السالبة لانتفاء الموضوع .
ولعلّه لما ذكرناه ذهب ابن أبي عقيل والفيض الكاشاني إلى عدم انفعال القليل ـ كالماء الكثير ـ بالمتنجّس ، واستدلّ الفيض الكاشاني بما رواه الشيخ الطوسي في الخلاف(٤٨) مرسلاً عن
(٤٦) ئل ١ ب ٤ من أبواب الأسآر من كتاب الطهارة ح ٢ ص ١٦٦ .
(٤٧) المصدر السابق ب ٢ ص ١٦٤ .
(٤٨) ج ١ ص ١٧٣ .
٦٢
‹