إذن الأصلُ يفيدنا الطهارةَ ، وبالتالي تكون قد عوّضتَ عن إثبات قبول الحيوان للتذكية بإجراء الطهارة على جلودها ، لكنْ في خصوص الطهارة فقط لا على مستوى الصلاة ، وذلك لأنه يشترط في الصلاة أن يكون جلدُ مأكول اللحم معلوم التذكية لموثّقة زرارة السالفة الذكرّ(٨٣٩) ، والأصولُ لا تُثبتُ العناوينَ الوجوديّة كالتذكية . لا ، بل لا شكّ بأنّ الأصل هو عدم قبول التذكية ، لأنه كان قبل الذبح غير مذكّى ، وبعد الذبح لم تَثْبت تذكيتُه .
قال الشيخ الأنصاري في كتابه الرسائل باب البراءة : "انْ شُكّ في حيوان من جهة الشك في قبوله للتذكية فالحكم الحرمة ، لأصالة عدم التذكية ، لأنّ من شرائط التذكيةِ قابليةَ المحل ، وهي مشكوكة ، فيُحكم بعدمها ، وأن الحيوان ميتة" (إنتهى) .
وعلى هذا يكون الأصل في المسوخ والحشرات هو عدمُ قابليتها للتذكية إلا ما خرج بدليل شرعي .
هذا ، ولكن يمكن القول بثبوت الطهارة رغم عدم ثبوت قبولها التذكية ، وذلك لأنه كان طاهراً قبل الموت ثم شككنا في طروء النجاسة عليه .
فإن قلتَ : لكن باستصحاب عدم التذكية تثبت النجاسة ، قلتُ : لا ، فإنّ النجاسة هي حكم الميتة ، وهو عنوان وجودي ، والإستصحاب يُثبت عدمَ التذكية فقط ، وعدمُ التذكية موضوعٌ لحرمة الأكل فقط ، ولم يثبت شرعاً أنّ (عدم التذكية) موضوعٌ للنجاسة . وليس عدم التذكية ملازماً للميتة ، فالدجاجةُ الحيّةُ ـ مثلاً ـ مع أنها ليست مذكّاة هي ليست ميتةً .
وأمّا على مستوى الإطلاقات فقد ادّعَى جماعةٌ من الفقهاء أنّ هذا العموم الأعلائي موجود ، واستدلوا عليه بإطلاق الآيات والروايات الواردة في حلّية أكل ما أمسك الكلب ، وما ذكر
(٨٣٩) وهي ما رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن (محمد) ابن أبي عمير عن (عبد الله) ابن بكير (بن أعين ، فطحيّ المذهب إلّا أنه ثقة من أصحاب الإجماع ، وهو ابن أخ زرارة) قال : سأل زرارة أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الثعالب والفَنَك والسنجاب وغيره من الوبر ، فأخرج كتاباً زعم أنه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله « أنّ الصلاة في وبر كل شيء حرام أكلُه فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شيء منه ، لا تُقبَل تلك الصلاة حتى يصلّيَ في غيره مما أحلّ الله أكلَه » ثم قال : « يا زرارة ، هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، فاحفظ ذلك يا زرارة ، فإنْ كان مما يؤكل لحمُه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شيء منه جائز إذا علمت أنه ذكيٌ قد ذكّاه الذبح ، وإن كان غير ذلك مما قد نُهيت عن أكله وحرُم عليك أكلُه فالصلاة في كل شيء منه فاسد ، ذكّاه الذبحُ أو لم يذكَّ » موثّقة السند . ومعنى هذه الموثّقة واضح وهو أنه يشترط في الصلاة العلمُ بتذكية ما يصلّى فيه ، والإستصحابُ لا يثبت العلم بالتذكية .
٦٣٩
‹