الطهارة
صفحة ٦٥٠ من ٢٠٢٦

منها قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾(٨٥٦) فإنها تدلّ على حجيّة خبر العادل في الموضوعات بتقريب أنّ المراد من الآية الكريمة ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ ـ والقدرُ المتيقّن هو مجال الموضوعات ، وإنْ كان النبأ يشمل الأحكام أيضاً ـ فَتَبيّنُوا ـ أي تأكَّدوا ، وبالتالي لا داعي للتأكّد والتبين في غير مجال الفاسق لأنه بين شرعاً ـ أن تُصيبوا قوْماً بِجهَالَة ـ أي لئلاّ تصيبوا قوماً بجهالة ، أمّا فيما لو كان الإعتماد على العادل وأخطأتم فلن يكون اعتمادُكم عليه جهالةً وإنما يكون علْماً شرعا ـ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ـ أمّا إن خسرتم رغم اتّباعكم خبرَ العادل فإنكم لن تندموا على اتّباعكم خبرَ العادل ، وذلك لأنه طريق عقلائي ، نعم أنتم سوف تحزنوا على الخسارة ، ولكن هذا لا يُطلَقُ عليه أنكم ندمتم على اتّباعكم لخبر العادل الخبير ـ﴾ ... فراجع . هذا ، ولكن المشكلة في هذه الآية هي أنّ مقابل الفاسق هو العادل الذي لم يخرج عن دين الله عقائدياً أيضاً ، ولكن يجاب عن ذلك بأنّ المناط في صحة الخبر هو وثاقة المخبر لا عقيدته .

ومنها ما رواه في الكافي عن محمد بن عبد الله الحمْيَري ومحمد بن يحيى جميعاً عن عبد الله بن جعفر الحميري عن أحمد بن إسحاق (الرازي ثقة رضيَ اللهُ عنه) عن أبي الحسن (الهادي) ﷺ قال سألتُه وقلتُ : مَن أعامل ؟ وعمّن آخذ ؟ وقولَ من أقبَلُ ؟ فقال : « العَمْري ثقتي ، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدي ، وما قال لك عنّي فعنّي يقول ، فاسمعْ له وأطعْ ، فإنه الثقة المأمون » ، قال : وسألت أبا محمدﷺ عن مثل ذلك فقال : « العَمْري وابنُه ثقتان ، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان ، وما قالا لك عنّي فعنّي يقولان ، فاسمع لهما وأطعهما ، فإنهما الثقتان المأمونان »(٨٥٧) (صحيحة من الصحيح الأعلائي) ، وذلك بتقريب استخدام العِلّة في تصديق إخبار العَمْري وابنه ـ وهي الوثاقة ـ فلأجل هذه العلّة قُبِل ادّعاؤهما بأنّ هذه الرسائل هي رسائل الإمامﷺ .

فإن قلتَ : لكنْ يحصل العلم الوجداني بصدق ادّعاء هذين الثقتين المأمونَين (حَشَرَنا الله معهما) فلا تدلّ هذه الرواية على ما نريد ، وهو حجيّة خبر الثقة في الموضوعات تعبّداً وشرعاً مع عدم حصول العلم أو الإطمئنان .

(٨٥٦) الحجرات ـ ٦ .

(٨٥٧) ئل ١٨ ب ١١ من أبواب صفات القاضي ح ٤ ص ٩٩ .