الثالث : الإجماع ، ادّعته جماعة ، ولا شكّ أنه المشهور جداً ، فقد حكي إنكاره من القاضي ابن البرّاج ، وهو أيضاً ظاهر عبارة الكاتب والشيخ . وخلافهم لا يهمّنا بعد تسالم العلماء على حجيّتها . على أنه قيل إنّ هؤلاء لم يخالفوا في أصل حجيّة البَيّنة ، وإنما خالفوا في بعض الموارد الجزئيّة ، كما لو كانت الحالة السابقة للشيء الطهارة وجاءت بَيّنة تقول بطروء النجاسة ، فقيل بعدم الأخذ بقول البَيّنة لأنّ الطهارة مغيّاةٌ بالعلم بالنجاسة لا بالبَيّنة.
فمثلاً : يقول السيد المرتضى بعدم حجيّة خبر الثقة الواحد ، ومع ذلك يقول بأنه لا خلاف في حجيّة البينة(٨٧٨) .
* فإذا عرفتَ كلّ هذا وتأمّلت فيما ذكرنا تفهم من هذه الآيات الكريمة والروايات الشريفة أنّ البَيّنة حجّة في إثبات كلّ موضوعات الأحكام ، إلاّ ما خرج بالدليل .
وتعرف أيضاً أنّ المولى تعالى نزّل الشاهدين العادلين منزلة العلم في إثبات موضوعات الأحكام .
* الكلامُ في تعارض البَيّنة مع خبر العادل
بعدما عرفتَ حجيّةَ البَيّنة إلاّ ما خرج بالدليل تعرف أنه إن ادّعى زيدٌ المجهولُ الوثاقة على عمرو العادلِ بكون المال الذي مع عمرو هو لزيد ، وأتى زيدٌ بشاهدين عادلين ، فهنا أجمعت الروايات والفتاوى على الأخذ بالبَيّنة ، معنى هذا هو تقديم العادلين على خبر العادل الواحد رغم أنّ معه أماريّة اليد أيضاً ، وليس ذلك إلاّ لتقديم الأقوى أماريّةَ .
وتلاحظ ذلك أيضاً في موثّقة مسعدة بن صدقة ، فإنّ الإمامﷺ ينهى عن الأخذ بالأقوال والإحتمالات إلاّ إن جاءنا بَيّنة عادلة تقول بأنّ الثوب الذي اشتريتَه هو سرقةٌ ، أو أنّ المملوك الذي عندك هو حُرٌ قد باع نفسَه أو قالوا هو خُدعَ فبيعَ أو قُهِرَ ، أو قالت البَيّنة العادلةُ بأنّ زوجتك فلانة هي أُختك أو رضيعتك « والأشياءُ كلُّها على هذا حتى يستبين لك غيرُ ذلك أو تقومَ به البَيّنة » ولا يكفي خبرُ عادلٍ واحد بأنه لصاحب المحلّ وأنه ليس بسرقة ، وإنما خُذْ بالبَيّنة وقدِّمْها على خبر العادل الواحد .
(٨٧٨) الذريعة إلى أصول الشريعة ج ٢ للسيد المرتضى / فصلٌ فيما لا يُعلم كونُه صدقاً ولا كذباً من الأخبار ص ٥١٦ .
‹