بل المظنون قوياً هو ما احتملناه من كون ذكْرِ الكعبين هو لتحديد محلّ المسح فقد روى زرارة ـ في الصحيحة السابقة ـ قال قلت لأبي جعفر﴿﵎﴾ : ألا تخبرُني مِن أين علمتَ وقلتَ إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين ؟ فضحك﴿﵎﴾ وقال : « ... ثم فَصَلَ بين الكلام فقال ﴿وامسَحوا برؤوسكم﴾ فعرفنا حين قال ﴿برؤوسكم﴾ أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء ، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ فعرفنا حين وصلها بالرأس أن المسح على بعضها... » وهي صريحة فيما ندَّعي ، فإنها تقول بكفاية المسح على بعض الرجلين ولا ضرورة للإستيعاب من الأصابع إلى الكعبين .
وأمّا الروايات المخالفة فلم يتّضح منها التصريح بوجوب استيعاب المسح لكلّ ظاهر القدم ، بل لم أجد رواية واحدة تدلّ على وجوب أن يكون المسح على كلّ ظهر القدم طولاً ، وما وجدتُه من روايات في هذا المجال هو روايتان فقط وفيهما نقاش واضح وهما :
١ ـ روى في الكافي عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد (بن عيسى) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا﴿﵎﴾ قال : سألته عن المسح على القدمين كيف هو ؟ فوضع كفَّه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم ، فقلت : جعلتُ فداك ، لو أن رجلاً قال بإصبعين من أصابعه هكذا ؟ فقال : « لا ، إلاّ بكفّيه (بكفّه) كلّها »(١٢٢٣) صحيحة السند ، وقد حَمَلَ أصحابُنا كونَ المسْح بكل الكفّ على الإستحباب ، إذ لا يجب المسح بكلّ الكفّ قطعاً ، وإلاّ لكثرت فيه رواياتنا ، مع أنّ رواياتنا وفتاوى أصحابنا تكتفي بمسمّى المسح عرضاً . أمّا دلالة هذه الرواية على وجوب المسح من رؤوس الأصابع إلى المَفصِل فهي غير واضحة لأنّ الفعل ـ كما قال أصحابُنا ـ أعمّ من الوجوب والإستحباب . على أننا لم نعرف : هل من رؤوس الأصابع ؟ لم يتّضح الأمرُ ! وبتعبير آخر : لا ندري ، هل مسح الإمام على كلّ ظاهر القدم أم لا !! فلا تفيدنا فيما نحن فيه ، إلاّ أن تستدلّ بأصالة الإشتغال ، وهي لا تفيد في مقابل الطائفة الأُولى من الروايات المصرّحة بكفاية مسمّى المسح ، ومثلُها ما بَعدها تماماً .
٢ ـ وروى في الكافي أيضاً عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد (بن يحيى بن عمران الأشعري) عن محمد بن عيسى عن يونس (بن عبد الرحمن) قال : أخبَرَني مَن رأى أبا الحسن﴿﵎﴾ بمنى يمسح ظهر القدمين ، من أعلى القدم إلى الكعب ، ومن الكعب إلى أعلى القدم ، ويقول
(١٢٢٣) ثل ١ ب ٢٤ من أبواب الوضوء ح ٤ ص ٢٩٣ .
٨٤٦
‹