الطهارة
صفحة ٩٣١ من ٢٠٢٦

هطلت على أرضي ولا أسامح صاحبَ الأرض السافلة أن يستفيد من هذا الماء شيئاً ، وكذلك لو وقف طائر على أرض شخص فليس لصاحب الأرض أن يقول إنّي قصدت حيازةَ هذا الطائر ... كلّ ذلك دليلُه العرفُ ، فهو الذي يشخّص أنّ صاحب الأرض صار حائزاً ومستولياً على ماء المطر والطيور أو لا .

أمّا لو سَلَّطَ أرضَه على خزّان الماء لينحدر ماءُ المطر إليه ـ كما هو المعروف في القرى ـ فإنّ ماء المطر يصير ملكاً لصاحب الأرض لأنه تصرّف بالأرض بطريقة بحيث ينزل ماء المطر إلى الخزّان ، فهو بنظر العرف حائزٌ على هذا الماء ، لأنه في أرضه وقد أعدّ أرضَه بطريقة منحدرة بحيث ينحدر ماء المطر نحو خزّانه ، وهذا يكفي ـ عرفاً ـ في صدْقِ الحيازة ، وأنت تعلم أنّ (مَن حاز مَلَك) .

وقد يَحوزُ الشخصُ على ماء كثير في أرض مشاعة ، وهو وغيرُه يعلمون بأنه لن يستطيع على تملّك كلّ هذا الماء ، لأنّ خزّانه ـ مثلاً ـ لا يَسَع لكلّ الماء الموجود المحاز ، ولذلك هو لا يقصد تملّك كلّ هذا الماء ، لكن حتى في هكذا حالة ، للحائز على الماء حقّ التقدّم والأولويّة في تملّك ما يريد تملّكه ، لأنّ كونَه هو الذي حاز ـ أي جمَعَ هذا الماءَ وحاصَرَه ـ يخوّله عرفاً بأن يكون له حقّ التقدّم على غيره . ولذلك تجدُ العرفَ يجوّزون أخْذَ مقدار من هذا الماء بحيث يُترَكُ مقدارٌ أقصى ما يمكن للحائز أخْذُه والإستفادة منه ، كما ويرى العرفُ أنّ آخِذَ أكثر من هذا المقدار من دون إذْن الحائز هو متعدٍّ على حقّ الحائز .

نعم لو نَبَعَ ماءٌ في أرضه أو نَبَتَ عُشْبٌ في أرضه ـ كالأعشاب البرّيّة مثلاً ـ فله حقُّ منْع الغَير من دخول أرضه أو الإستيلاء على ما فيها من ماء وأعشاب ، وذلك لأنّ هذه الأُمورَ تابعةٌ عرفاً لأرضه ، وهي نماء أرضه ، فهي ـ عرفاً ـ مُلْكٌ له . وهذا بخلاف ما لو علق طائر بين الأشواك في أرضه ، أو وقع في الوحل فلم يستطع على الطيران ، فهذا الطائر يبقَى على الإباحة الأصليّة ، وللغير الإستيلاءُ عليه ، لكن المشكلة في دخول أرض الغير ، فلو لم يأذن مالكُ الأرض فليس للآخرين دخولُ أرضه ، رغم إباحة الطائر .

* إعادةٌ للسؤال السابق مرّةً ثانية : هل مجرّدُ أنْ وَقَعَ ماءُ المطر في أرضه وقَصَدَ التملّكَ فإنه يملكه أم ماذا ؟

لو فرضنا أنّ العقلاء قالوا نعم يملكه ، قلنا : لم يُعلم أنّ الشارع المقدّس قد أمضى هذا الإرتكاز العقلائي .

٩٣١