التحقّقُ من بقاء المصلحة والمحبوبية لهذا الوضوء الضرري ـ فيُحكَمُ ـ لا محالةَ ـ ببطلان وضوئه على قاعدة الإشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني . أمّا لو كان استعمالُ الماءِ يُوقع في الحرج فقط، ولا يَضُرّ ، فلا شكّ في صحّة وضوئه ح (٤٦٨) .
(٤٦٨) لا شكّ أنك تعلم أنّ قاعدة (لا ضَرَر) ظاهرة في حرمة أن يَضُرّ الإنسانُ نفسَه ، كما أنك تعلم أنّ رفع الحرج هو إمتناني ، وليس إلزامياً . وعليه ففي الحالة الأولى يكون الإنسان مكلّفاً ـ بنحو الوجوب ـ بالتيمّم ، وفي الحالة الثانية يكون الإنسانُ مخيّراً بين الوضوء وبين التيمّم ، وذلك كما لو كان الإنسانُ عطشاناً جدّاً ، ولكنه إن توضّأً فلن يتضرّرَ ، ولكنه سوف يقع في حرج شديد ، فله أن يتوضّأً بهذا الماء ، وله ـ لرَفْع الحرج الشديد ـ أن يَشرب الماءَ ويتيمّم . ومثلُه مَن إذا استعمل الماءَ البارد جدّاً في الهواء البارد جدّاً يقع في حرج شديد وتَجمُدُ يداه ، لكنه لا يتضرّر ، فله أن يتيمّم وله أن يتوضّأً . وبتعبير آخر : يبقى ملاك الوضوء قائماً ، ولا دليل على رفعه ، فإنّ الحرج لا دخل له في مرحلة الملاك ، وإنما يُحرَجُ الإنسانُ في مرحلة الإمتثال ، ولذلك يبعد جدّاً رَفْعُ الحرج لملاك الوضوء بالماء البارد وفي الهواء البارد ، ولذلك يصحّ للشخص أن يتوضّأً رغم وقوعه في الحرج الشديد ، وذلك لبقاء المصلحة ـ أي في مرحلة الملاك ـ في وضوئه ، ولذلك يقول العلماء بأنّ أدلّة رفع الحرج إنما ترفع الإلزام ، والإمتنانُ لا يرفع الملاكَ ، وذلك لعدم الإمتنان في رفع الملاك ، كما لا داعي لرَفْعه ، ولذلك لو توضّأً ـ رغم الحرج الشديد ـ لصحّ وضوؤه لبقاء الأمر الفعلي به ، وإن توسوست فقُلْ : لبقاء وجود الملاك فيه ، وبالتالي لبقاء محبوبيته ولبقاء الأمْر به فعلاً ، حتى ولو قلنا برفع منجّزيّته .
وهذا بخلاف حالة الوقوع في الضرر المحرّم ، فإنّ المفسدة الحاصلة فيه تغلب المصلحة في الوضوء في مرحلة الملاك ، فيكون الوضوء مبغوضاً ومحرّماً ، وعلى الأقلّ ـ مع الشكّ في تبدّل المصلحة إلى مفسدة ـ نقول : عندنا شكّ في بقاء الملاك في الوضوء في حال التضرّر من الوضوء . على كلٍّ ، فقد أجمع العلماء على تحريم إيقاع النفسِ في الضرر ، فإذا ثبتت الحرمةُ ، ولم يثبت بقاءُ الملاك والمحبوبية في الوضوء الضرري ، لم يمكن القولُ بصحّة الوضوء الضرري ، وصعب التقرّب إلى المولى تعالى بفعلٍ يُحرِّمُه .
كما يصعب التقرّب إلى المولى بفعل يحتمل التضرر منه ، وح يصعب القول بصحّة الوضوء المشكوك الضرريّة ، وذلك لعدم إحراز وجود الملاك والمحبوبية فيه ، كما لو كان يحتمل حصول
٩٣٦
‹